ابن حجة الحموي

53

خزانة الأدب وغاية الأرب

ولم يكتف خصومه بذلك ، بل لقد تنكّروا له ولا سيّما تلاميذه ، بعد أن كانوا معجبين به لفترة طويلة من الزمن ، فراحوا يتتبّعون مثالبه ويظهرونها ، وعلى رأسهم تلميذه النواجيّ الذي تناوله في كتابه « الحجّة في سرقات ابن حجّة » ، وقد أخذ فيه على عاتقه أن يتتبّع سرقاته في ديوانه المسمّى ب « جنى الجنتّين » ، إذ يقول : « حتّى أنه قال مرارا في ملأ من أصحابه : « إنّ مملكة مصر لم يصر لها حالة إلّا به » ، وقال مرّة : « لو شئت كلّ وظيفة لولّيتها ، ولكني ، واللّه ، لو أعطيت الخلافة ما رضيتها » ؛ ونادى بباب الجامع الأزهر على رؤوس الأفاضل والأماثل : كلّ من في المشرق والمغرب تحت خفّي ونازل » « 1 » . ولم يكن النواجيّ هو البادئ في تنكّره لأستاذه ، بل كان ابن حجّة قد سبقه بدوره إلى تنكّره لأستاذه عز الدين الموصليّ ، ومن يطّلع على خزانته يجد بوضوح كم مرّة صبّ لواذع كلمه على بديعيّة شيخه ، مسفّها رأيه مزريا به ، فقيّض له اللّه من ينقّب عن مثالبه وسرقاته ويؤلّف فيها كتابا . إلّا أنّه كان رغم ذلك إماما عالما في الأدب ، طويل النفس في النظم والنثر ، وقد قال عنه السخاوي : « كان إماما عارفا بفنون الأدب ، متقدّما فيها ، . . . حسن الأخلاق والمروءة ، مع بعض زهو وإعجاب ، ومداومة على خضب لحيته بالحمرة إلى أن أسنّ » « 2 » ، كما ذكره ابن خطيب الناصريّة فقال : « الإمام الأريب البليغ الفاضل الناظم الناثر إمام أهل الأدب في زمنه » « 3 » . وقد قرّظه ابن حجر العسقلاني في ثنايا تقريظه لشرح بديعيته قائلا : « أشهد أنّ أبا بكر مقدّم على أنظاره ، ولا أعدل في هذه الشهادة من أحمد ، وأجزم برفعة قدره على كلّ من انتصب لهذا الفنّ ولا أبلغ من حاكم يشهد ، لقد بلغ أشدّه في البلاغة واستوى ، وثبت رشده عند غواة الأدب . . . » « 4 » . وكان لابن حجر في ابن حجّة تقاريظ أخرى . كما وصفه أحد المؤرّخين فقال :

--> ( 1 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 52 . ( 2 ) الضوء اللامع 11 / 53 ؛ والأعلام 2 / 67 ؛ و « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 52 . ( 3 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 52 . ( 4 ) هذا التقريظ في آخر النسخة ب ( ج 2 ) من « شرح البديعية » ، بعد المتن ، وسيأتي أثناء الكلام على « شرح بديعيته » في قسم الدراسة .